2/
ومن حسن
الخلق مع الله عز وجل
أن يتلقى الإنسان أحكام الله بالقبول والتنفيذ
والتطبيق
فلا يرد شيئاً من أحكام الله , فإذا رد شيئاً من أحكام الله فهذا
سوء خلق مع الله عز وجل , سواءٌ ردها منكراً حكمها , أو ردها مستكبراً عن
العمل بها , أو ردها متهاوناً بالعمل بها , فإن ذلك كله منافٍ لحسن الخلق
مع الله عز وجل .
مثال على ذلك – الصوم – الصوم لا شك فيه أنه شاقٌ
على النفوس , لأن الإنسان يترك فيه المألوف , من طعام وشراب , ونكاح ,
وهذا أمر شاق على الإنسان ولكن المؤمن حسن الخلق مع الله عز وجل , يقبل
هذا التكليف , أو بعبارة أخرى : يقبل هذا التشريف , فهذه نعمة من الله عز
وجل في الحقيقة , فالمؤمن يقبل هذه النعمة التي في صورة تكليف بانشراح صدر
وطمأنينة , وتتسع لها نفسه فتجده يصوم الأيام الطويلة في زمن الحر الشديد
, وهو بذلك راضٍ منشرح الصدر , لأنه يحسن الخلق مع ربه , لكن سيئ الخلق مع
الله عز وجل يقابل مقل هذه العبادة بالضجر والكراهية, ولولا أنه يخشى من
أمر لا تُحمد عقباه , لكان لا يلتزم بالصيام .
مثال آخر – الصلاة –
فالصلاة لا شك أنها ثقيلة على بعض الناس , وهي ثقيلة على المنافقين , كمال
قال النبي عليه الصلاة والسلام ( أثقل الصلاة على المنافقين : صلاة العشاء
وصلاة الفجر )(1) .
لكن الصلاة بالنسبة للمؤمن ليست ثقيلة قال
تعالى ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ
إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ )]البقرة45-46[ , فهي على هؤلاء غري كبيرة
وإنما سهلة يسيرة , ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام ( و جعلت قُرة
عيني في الصلاة )(2) .
فالصلاة هي قرة عين المؤمن , وزاده اليومي
الذي يتزود به للقاء الله تعالى , ولذلك فهو يعظم قدرها لها أعظم الاهتمام
, لأنها عماد الدين وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة .
فحسن
الخلق مع الله عز وجل بالنسبة للصلاة أن تؤديها وقلبك منشرح مطمئن ,وعينك
قريرة تفرح إذا كنت متلبساً بها , وتنتظرها إذا فات وقتها , فإذا صليت
الظهر , كنت في شوق إلى الصلاة العصر , وإذا صليت المغرب كنت في شوق إلى
صلاة العشاء , وإذا صليت العشاء كنت في شوق إلى صلاة الفجر . و لهذا كان
النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( يا بلال أرحنا بالصلاة )(3) .
ــــــــــ
(1)
مسلم رقم251 كتاب المساجد ورقم651/252 (2) أخرجه مسلم النسائي رقم3949 ,
3950 كتاب عشرة النساء , وأحمد في المسند 3/128 , 199 , 285 , وهو في صححي
الجامع رقم3134 (3) أخرجه أبو داود رقم4985 . وأحمد في المسند 5/364
والحديث في صحيح الجامع للألباني رقم7892 .
يقول : أرحنا بها , فإن
فيها الراحة والطمأنينة والسكينة , لا كما يقول البعض : أرحنا بها , لأنها
ثقيلة عليهم , وشاقة على نفوسهم . وهكذا دائماً تجعل قلبك معلقاً بهذه
الصلوات فهذا لا شك أنه من حسن الخلق مع الله تعالى .
مثال ثالث –
تحريم الربا – وهذا في المعاملات فقد حرم الله علينا الربا تحريماً أكيداً
وأحل لنا البيع وقال في ذلك ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا
يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ
الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا
وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ
مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهـَى فَلـَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى
الـلَّهِ وَمـَنْ عَادَ فَأُولَـئِكَ أَصْـحَابُ النَّارِ هُمْ فِيـهَا
خَالِـدُونَ )]البقرة275[, فتوعد من عاد إلى الربا بعد أن جاءته الموعظة ,
وعلم الحكم , توعد بالخلود في النار , والعياذ بالله , بل إنه توعده في
الدنيا أيضاً بالحرب فقال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مؤمنين
* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
.. )]البقرة278,279[ هذا يدل على عظم هذه الجريمة وأنها من كبائر الذنوب
والموبقات .
فالمؤمن يقبل هذا الحكم بانشراح ورضا وتسليم , وأما
غير المؤمن فإنه لا يقبله , ويضيق صدره به , وربما يتحيل عليه بأنواع
الحيل , لأننا نعلم أن في الربا كسباً متيقناً وليس فيه أي مخاطرة, لكنه
في الحقيقة كسب لشخص وظلك لآخر ’ ولهذا قال الله تعالى ( وَإِنْ تُبْتُمْ
فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ
)]البقرة279[ .
3/ ومن حسن الخلق مع الله تعالى : تلقي أقدار الله
تعالى بالرضا والصبر ,وكلنا نعلم أن أقدار الله عز وجل التي يجريها على
خلقه ليست كلها كلائمة للخلق بمعنى أن منها ما يوافق رغبات الخلق ومنها ما
لا يوافقهم .
فالمرض مثلاً : لا يلائم الإنسان , فكل إنسان يحب أن يكون صحيحاً معافى .
وكذلك الفقر : لا يلائم الإنسان , فالإنسان يحب أن يكون غنياً .
وكذلك
الجهل : لا يلائم الإنسان فالإنسان يحب أن يكون عالماً . لكن أقدار الله
عز وجل تتنوع لحكمة يعلمها الله عز وجل , منها ما يلائم الإنسان ويستريح
له بمقتضى طبيعته , ومنها ما لا يكون كذلك . فمت هو حسن الخلق مع الله عز
وجل نحو أقدار الله ؟
حسن الخلق مع الله نحو أقداره : أن ترضى بما
قدر الله لك , وأن تطمئن إليه وتعلم أنه سبحانه وتعالى ما قدره إلا لحكمة
عظيمة وغاية محمودة يستحق عليها الحمد والشكر .
وعلى هذا فإن حسن
الخلق مع الله نحو أقداره , هو أن يرض الإنسان ويستسلم ويطمئن , ولهذا
امتدح الله الصابرين فقال ( ... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ
إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ
رَاجِعُونَ )]البقرة155-156[ . .
كتاب مكارم الأخلاق
للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله