الدروس المستفادة من الجانب التنظيمي والتوظيف


لقد اهتم يوسف u بالعنصر البشري في خطته لعمله أنه لا تنجح خطة ليس وراءها الإنسان الذي ينفذها، وأما منهجه في التعامل مع الإنسان فقد ظهر في ثلاثة أسس، أولاً في وضعه السياسة العامة وتحديد المرجعية التي تضبط سير عمل المشروع الإصلاحي، وذلك في دعوته للسجينين للتوحيد عندما قال: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف: 39، 40].
أما الأساس الثاني الذي رسمه يوسف عليه السلام في عملية التوظيف هو الأساس الأخلاقي: {إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]، فعندما قال للملك: إني حفيظ "أي أمين"، وهذه الأمانة لا تتأتى إلا بمنظومة أخلاقية مترابطة متماسكة بين أفراد المجتمع، ولا تبنى هذه المنظومة إلا بواسطة برنامج تربوي يشرف عليها علماء ربانيون مؤمنون بهذا المشروع الإصلاحي.
أما الأساس الثالث كان متمثلاً في قول يوسف عليه السلام للملك: {إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]، وهنا كلمة {عَلِيمٌ} تعني إني أتقن فنون وعلوم الإدارة التي تقود إلى نجاح هذه الخطة.
وبذلك يكون منهج يوسف عليه السلام في الارتقاء بالإنسان الذي هو عدة الحضارة ومحرك النهضة ومنفذ البرامج ومنجز المشاريع هو دعوته للتوحيد، وتعليمه حقيقة الإيمان بالله، وهذا الكون وهذه الحياة. وتسليحه بالأخلاق الفاضلة، وتعليمه أسس الإدارة الحديثة لتحقق الرؤية التي تصبو القيادة الوصول إليها.
إن فائدة التغيير تزول إذا لم يكن هناك إنسان أمين على منجزات التغيير، ويحمل القيم الداخلية التي تضمن استمرارية التغيير الخارجي، إخلاصه وصدقه وأمانته. إن التغيير يجب أن يمارسه الإنسان في المحتوى النفسي فيطور وينمي ذاته باتجاه الأفضل، ثم يجسد محتواه النفسي تغييرًا خارجيًّا ويحوله إلى ممارسة وتطبيق وتحقيق؛ لأن أحوال الناس وأوضاعهم الاجتماعية من الفساد والخير لا تتغير إلا إذا تغير محتوى الإنسان، وما هو عليه من الحق أو الباطل، هذا هو منطق القرآن والحياة؛ لكي يرسي نظامًا لا بد أن يُهيَّأ له إنسان أولاً.
كما أننا إذا طورنا النظام ومفاهيمه دون الإنسان ومفاهيمه فسرعان ما يتسرب الفساد من الإنسان إلى النظام، فيقوضه أكثر مما يتسرب الإصلاح من النظام إلى الإنسان فيصلحه؛ لأن الأنانية وحب الذات والجشع أقوى من نصوص القوانين والأنظمة ما لم تهذبها التربية الداخلية العميقة، والأخلاق الكريمة المبنية على معرفة الله وحبه والخوف منه.
إن في الآيات القرآنية لسورة يوسف عليه السلام إشارات إلى جوانب أخرى ارتبط بها نجاح الخطة ارتباطًا مباشرًا، وأهمها جانبان يجمعهما عنصر واحد، وهو العنصر البشري وعلاقته بنجاح الخطة:
أ- استعداد يوسف عليه السلام أن يشرف على هذه الخطة، وكان هذا الاستعداد بعد أن بدد ظلام الشك وأوهام التهم عن نفسه، وبذلك حدث التكامل القوي بين الخطة والمخططين، بين حساب الأرقام والأخلاق، بين الأسس المادية والقيم الروحية في المجتمع، بين الدين والحياة.
إن البرنامج الإصلاحي الشامل في وطننا يحتاج إلى كوكبة من علماء ليبيا وطلاب العلم والمختصين في مجال معرفة كتاب الله وهدي النبي r، وممن لهم قناعة بمشروع الإصلاح؛ لكي يساهموا بدورهم الأخلاقي والمعنوي والروحي والتربوي، ودورهم لا يقل عن دور المهندسين والإداريين والاقتصاديين والإعلاميين والسياسيين... إلخ.
ب- الجانب الثاني: يتجلى في اختيار المعاونين الذين ساعدوه في عمله، فكان من رجال يوسف عليه السلام العون الصادق على تنفيذ أوامره بدقة وهدوء.
وأما الرصيد الأخلاقي والقيمي الذي ساهم في نجاح المشروع الإصلاحي ليوسف عليه السلام، فقد كان متجسدًا في شخصيته من صفات حميدة وأخلاق كريمة منها:
(1) ثقته بنفسه بالاعتماد على ربه {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55].
(2) وضع اللين في موضعه، والشدة في موضعها: {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ} [يوسف: 59، 60]. فبداية الآية لين، ونهايتها شدة.
(3) الحلم عند الغضب ليضبط نفسه {قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ} [يوسف: 77].
(4) العفة عن الشهوات؛ ليضبط نفسه، وتتوافر قوته النفسية {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24].
(5) قوة الذاكرة؛ ليمكنه تذكر ما غاب ومضى له سنون، وليضبط السياسات ويعرف للناس أعمالهم {وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} [يوسف: 58].
(6) استعداده للعلم وحبه له وتمكنه {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101].
(7) شفقته على الضعفاء وتواضعه مع جلال قدره، وعلو منصبه، فقد خاطب الفتيين السجينين فقال: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39]. وحادثهما في أمور دينهما ودنياهما بقوله: {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ} [يوسف: 37]. وقال تعالى: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [يوسف: 37].
(8) العفو عند المقدرة {قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92].
(9) إكرام العشرة {اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} [يوسف: 93].
(10) قوة الفصاحة والبيان بتفسير رؤيا الملك، واقتداره على الأخذ بأفئدة الراعي والرعية والسوقة، ما كان هذا إلا بالفصاحة المبنية على الحكمة والعلم: {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: 54].
الدروس المستفادة من الجانب التنفيذي والمتابعة
إن حسن التنفيذ والمتابعة الحثيثة للمشروع الإصلاحي الذي تولاه يوسف عليه السلام كان له الأثر الكبير على المستوى القطري وعلى مستوى المنطقة ككل. إن خيرية المشروع الإصلاحي ليوسف عليه السلام تعدت مصر، فلقد ساعد الدول المجاورة في فترة القحط، فعندما أصاب منطقة (فلسطين) القحط ذهب الناس إلى مصر طلبًا للمساعدة، وكان من بينهم إخوة يوسف عليه السلام، قال تعالى:{وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ * فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ * قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ * وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [يوسف: 58- 62].
كما أن الحوار الذي دار بين يوسف عليه السلام وإخوته في هذه الآيات، يدل على المتابعة الدقيقة للتنفيذ من قبل القيادة على سير العمل.
إن في القرآن الكريم مشاريعَ إصلاحية كثيرة تحتاج لدراسة واستخراج العبر والدروس والسنن منها.
ومما تم ذكره تظهر الأهمية الكبرى للأخلاق الرفيعة والصفات الحميدة للأخوة القائمين على المشاريع الإصلاحية، ومن هنا فإن الجانب الأخلاقي التربوي على قدر كبير من الأهمية، فهو الدين والدنيا. فبقدر تمسك الأمة بالأخلاق وازدياد فضائلها، يكون الازدهار والرقي والتقدم. وصدق الشاعر حين قال:
إنما الأمم الأخـلاق ما بقيت *** فإن همُ ذهبت أخلاقهـم ذهبوا


المصدر: قصة الاسلام