| لجينيات- الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد
فقدأودع
الله في النفس (القلب) قوة في معرفة البر من الإثم ، والحق من الباطل غير
أن هذه القوة نسبية من شخص لآخر ، كما وأنها لايكن الاعتماد عليها في كل
حين خوفامن أن يستغلها الشيطان خطوة في نفوذه لإغواء الإنسان ،لكن الذي دل
عليه الحديث الوارد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أن أصل هذه القوة
موجود،وأن الإنسان قد يلجأإلى قلبه ليدله على الخير ، ويفتيه بالحق .أخرج
الطبراني في معجمه الكبير (ج 16 / ص 21)
عَنْ
وَابِصَةَ بن مَعْبَدٍ الأَسَدِيِّ، قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنالا أُرِيدُ أَنْ أَدَعَ مِنَ الْبِرِّ،
وَالإِثْمِ شَيْئًا إِلا سَأَلْتُهُ عَنْهُ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي
عِصَابَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَوْلَهُ، فَجَعَلْتُ أَتَخَطَّاهُمْ
لأَدْنُوَ مِنْهُ فَانْتَهَرَنِي بَعْضُهُمْ، فَقَالَ: إِلَيْكَ يَا
وَابِصَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
فَقُلْتُ: إِنِّي أَحَبُّ أَنْ أَدْنُوَ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:دَعُوا وَابِ! صَةَ، ادْنُ مِنِّي يَا
وَابِصَةُ، فَأَدْنَانِي حَتَّى كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ،
فَقَالَ:أَتَسْأَلُنِي أَمْ أُخْبِرُكَ؟، فَقُلْتُ: لا، بَلْ تُخْبِرَنِي،
فَقَالَ:جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ قُلْتُ: نَعَمْ،
فَجَمَعَ أَنَامِلَهُ فَجَعَلَ يَنْكُثُ بِهِنَّ فِي صَدْرِي،
وَقَالَ:الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ واطْمَأَنَّ
إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي
الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ مَا أَفْتُوكَ.والحديث قد أشار ابن
رجب إلى ضعفه لكن أخرج الإمام مسلم مايدل على معناه وأن الحديث له أصل صحيح
عَنِ
النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الأَنْصَارِىِّ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ
اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ «
الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِى صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ
أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ».(ج 8 / ص 6)
وهنا
عدة وقفات أطرحها بين يدي القارئ الكريم مستنيراً بما ذكره ابن رجب رحمه
الله في كتابه جامع العلوم والحكم عند شرحه للحديث السابق ذكره
الوقفة
الأولى:- أن الله قد أودع في القلب نور وبصيرة لمعرفة الحق من الباطل قال
ابن رجب بعد أن سرد الأحاديث:- وهذا يدلُّ على أنَّ الله فطرَ عبادَه على
معرفة الحق ، والسكون إليه وقبوله ، وركَّز في الطباع محبةَ ذلك ، والنفور
عن ضدِّه.. إلى أن قال وأخبر أنَّ قلوب المؤمنين تطمئنُّ بذكره ، فالقلبُ
الذي دخله نورُ الإيمان ، وانشرح به وانفسح ، يسكن للحقِّ ، ويطمئن به
ويقبله ، وينفر عن الباطل ويكرهه ولا يقبله وقال أيضا فدلَّ حديثُ وابصة
وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه ، فما إليه سكن القلبُ ،
وانشرح إليه الصَّدرُ ، فهو البرُّ والحلالُ ، وم! ا كان خلافَ ذلك ، فهو
الإثم والحرام .
الوقفة الثانية:-
قال أهل العلم إن القلب لا يمكن استفتاؤه إلا عند رسوخ الإيمان فيه وعندها يتردد في الشر والذنب ويطمئن للخير والطاعة
الوقفة الثالثة:-
قال
معاذ بن جبل : أحذركم زيغةَ الحكيم ، فإنَّ الشيطان قد يقول كلمة الضلالة
على لسان الحكيم ، وقد يقول المنافق كلمة الحق ، فقيل لمعاذ : ما يُدريني
أنَّ الحكيمَ قد يقول كلمة الضلالة ، وأنَّ المنافق يقول كلمةَ الحقِّ ؟
قال : اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يُقال : ما هذه ؟ ولا يثنينك
ذلك عنه ، فإنَّه لعلَّه أنْ يُراجع ، وتَلَقَّ الحقَّ إذا سمعته ، فإنَّه
على الحقِّ نوراً ، خرَّجه أبو داود(4) . وفي روايةٍ له قال : بل ما تشابه
عليك من قول الحكيمِ حتَّى تقول : ما أراد بهذه الكلمة ؟
قال
ابن رجب فهذا يدل على أنَّ الحقَّ والباطل لا يلتبِسُ أمرُهما على المؤمن
البصير ، بل يعرف الحقَّ بالنُّور الذي عليه ، فيقبله قلبُه ، ويَنفِرُ عن
الباطل ، فينكره ولا يعرفه ، ومِنْ هذا المعنى قولُ النَّبيِّ - صلى الله
عليه وسلم - : (( سيكون في آخر الزَّمان قوم يحدِّثونَكم بما لم تسمعوا
أنتم ولا آباؤكم ، فإيَّاكم وإياهم ))(1) ، يعني : أنَّهم يأتون
بماتستنكره قلوبُ المؤمنين ، ولا تعرفه
الوقفة
الرابعة:- في قول المصطفى صلى الله عليه وسلم ( والإثم ماحاك في نفسك
وكرهت أن يطلع عليه الناس)ما يدل على أن المرتبة الأولى في معرفةالإثم
والذنب أن يجتمع فيه تردد القلب وكراهية اطلاع الناس عليه. قال ابن رجب
رحمه الله وقوله في حديث النوَّاس : (( الإثم ما حاك في الصدر ، وكرِهتَ
أنْ يطَّلع عليه الناس ))(2) إشارةٌ إلى أنَّ الإثم ما أثَّر في الصدر
حرجاً ، وضيقاً ، وقلقاً ، واضطراباً ، فلم ينشرح له الصَّدرُ ، ومع هذا ،
فهو عندَ النَّاسِ مستنكرٌ ، بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه ، وهذا أعلى
مراتب معرفة الإثم عندَ الاشتباه ، وهو ما استنكره النَّاس على فا! علِه
وغير فاعله .
الوقفة
الخامسة :- ما أحوجنا في وقتنا الحاضر الذي ظهرت فيه الفتاوى
الشاذة،وتشابكت فيه الرؤى صحيحها وسقيمها ،وبرها وإثمها،الأمر الذي أثمر
اختلاطا عند كثير من الناس بين الحق والباطل فعصف ذلك بمجتمعنا،وتزعزت
الثقة،وحلت الفتنه، وانقسمت الجماعة، أقول، ما أحوجنا عند ذلك لنور القلب
وفتواه، فقد قال عليه الصلاة والسلام واستفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك،
عندها سينجلي الحق ويعرف البر ، ويدحض الباطل وينكشف الإثم غير أن ذلك
يتطلب قلبا سليما صحيحا تقيا(ومن يتق الله يجعل له مخرجا) فيصل بن يحيى
المعافى المشرف التربوي بالعاصمة المقدسة. |