| بين إسلام القناعة وإسلام الوراثة
" كنت لا أؤمن بإله ، أرفضُ كلَّ الأديان ، أعيش حياتي كما أهوى وأحبُّ ،
معتقداً أنَّ ما يقيّد به النّاس أنفسهم من الشرائع الدينية والتعاليم
السماويّة ليس إلا أوهاماً خلقها البشر ثمّ أضفوا عليها صفة القداسة
وجعلوها من عند الله " .
بهذا الكلماتِ بدأ حديثه عندما جلستُ معه أحاورُه وأسأله عن إسلامه ودوافعه إلى ذلك .
إنّه شابٌّ سويديّ عريقٌ من ذوي الأعين الزرقاء ، في الثلاثين من عمره ،
لقيتُه في جوتنبرغ فلفتني منظرُهُ ، كان أبيض طويلا ، تزيّن وجهه لحية
شقراءَ ، يبتسمُ دائماً ، ويحرص على أن يكون في الصفّ الأوّل في الصلاة .
كانت السعادة عنوانه ، والبشر يطفح من محيّاه كما يفيض الماء من نبعٍ
فوّار ، وحين تحدّثتُ معه أخبرني أن بداية إسلامه تعود لحوارات عاصفةٍ مع
صديق تركيٍّ مسلم ، ومع كلِّ حوارٍ كان يدنو ويقترب ، ثم اطلع على كتاب (
العلم يدعو إلى الإيمان ) ; فأذهله ما تكشّف له من إعجاز القرآن العلميّ ،
ثم أعطى نفسه سنةً كاملةً يفكّر ويتأمّل ويقرأ ، ويتناقش مع القيادات
الإسلامية في بلده .. وبعد ذلك كلّه اتخذ قراره وأسلم ، وتزوج امرأة مسلمة
.
تعلّمتُ من حديثي مع أخي ( ماتس ) السويديّ المسلم مقدار الفرق الهائل بين من يسلم قناعةً ومن يسلم تقليداً .
إنّنا أيها الأحبة لا نشعر أحياناً بنعمة الله علينا بهذا الدين العظيم ؛
ربما لأنه جاءنا على طبق من ذهب ، لم نشق لأجله ، ولم نتعب في الوصول إلى
هدايته ، ومن ثمّ لم نقدّره حق قدره .
وبسبب من غياب هذا التقدير والوعي بقيمة أن يكون الإنسان مسلماً تكثر في
حياتنا ظواهر البعد عن الدين ، والحياء منه أو من بعض شعائره ، والهزيمة
النفسيّة إزاء الآخر غير المسلم .
إنّ علينا في زمن الشبهات هذا ; زمن الانفتاح المعرفيّ ، والتداخل
الحضاريّ ، والاشتباك الفكريّ والعقائديّ ; أنْ نأخذ أنفسنا وأبناءنا
وإخواننا وطلابنا بنمطٍ من المعرفة يبصّرهم بجمال هذا الدين ، وكماله ،
وصدقه ، وأحقيّته .
علينا أن نخرجهم من أن يكونوا مسلمين ( بالوراثة ) فحسب ، إلى أن يكونوا أصحاب وعي وقناعة ورسوخٍ .
علينا أن نوعّيهم بمعاني هذه الآيات :
{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } )12)
{ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا } (13)
{ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } (14)
{ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى }(15)
وحين يحصل هذا تنتفي كثير من صور الانهزاميّة ..
إنّ السويديات المسلمات اللائي نشأن قبل إسلامهن على العهر والفجور يلتزمن
بالحجاب الإسلاميّ أكثر من بعض المسلمات اللائي يزرن تلك الديار !
فأين تصرف من تصرف ؟ وسلوك من سلوك ؟
هذا معنىً جليل تعلّمتُهُ من جولتي الدعويّة التي أسلفت لكم من قبل بعضاً من خبرها .
تعلّمتُ من سفري هذا ..
أنّنا مقصرون في حمل رسالة الهداية الإسلاميّة إلى العالمين .
إنّ تلك البلاد التي فتكت بها الماديّة هي أحوج شيء إلى الإسلام ، وقلوب
كثير من أهلها أرض خصبة لو وجدت زارعاً ماهراً ، لقد رأيت هذا واضحاً
أمامي ، رأيته في قصص الذين شافهتهم من المسلمين الجدد ، وفي الأخبار التي
حدثني بها القائمون على الدّعوة هناك .
لقد أسلم ( ماتس ) الذي أسلفت لكم خبره بسبب كتاب قرأه يربط بين العلم والدّين .
وأسلم ( عبد الكريم ) ـ وهو سويديّ أيضاً ـ لمجرّد أنّه زار بلداً
إسلاميّا فأعجبته طبيعة أهلها ، والعجيب أنّه كان ذاهباً لدراسة الموسيقى
الشرقيّة فرجع وقد بُذرت في قلبه بذرة الإسلام !
وأسلمت الأخت ( خديجة ) قبل عشرين عاماً ، وهي من أوائل المسلمات السويديات بسبب أختٍ عربيّة رأتها وتحدثت معها !
وأخبرني أحد فضلاء الدعاة المشتغلين بدعوة السويديين أنه ما من أسبوع يمرّ
إلا ويدخل في الإسلام رجل أو امرأة ، وأنّ درسه الأسبوعيّ يحضره العديد من
السويديين والسويديات رغبة في التعرّف على الإسلام .
وأخبرني خبراً عجيباً ..
قال : في يوم من الأيام اتصلت بي فتاتان ..
و قالتا : عندنا أسئلة عن الإسلام .
فقلت : تفضلا .
فجاءتا وسألتا عدّة أسئلة عن الإسلام .
ثم قالتا : نريد أن نسلم ، لكننا نريد أن نخلو بأنفسنا قليلا .
قال : فقلت في نفسي : لعلهما تتشاوران قبل أخذ القرار .
ذهبت بهما إلى غرفة مجاورة ، و رجعت إلى الغرفة التي كنّا فيها .
قال : ثم فوجئت بهما وقد جاءتا بحجابٍ كاملٍ ساتر كانتا تخفيانه في الحقيبة ، ثم نطقتا بالشهادتين .
قال : فدمعت عيني ، ثم قلت : إننا نعاني قبل أن تتحجب الأخوات المسلمات
الجديدات ، فكيف فعلتما ذلك ؟ فقالتا : أردنا ألا ندخل في هذا الدين
العظيم بلباس الكفر والمعصية !
أي إيمان ؟!
وأيّ قناعة ؟!
وأي قلوب متقبلة ؟!
أيها الأحبّة ..
إنّ المركز الإسلاميّ في (ستكهولم ) يزوره العشرات أسبوعياً للتعرّف على
الإسلام ، وتأتيه الوفود من المدارس والكنائس والإدارات ، وكثيراً ما
يهتدي طائفة من هؤلاء إلى الإسلام .
إنّ قلوب القوم أيها الأحبة خصبةٌ قابلة للدين ; لأنها محرومة ، تعيش في
شقاء روحيّ هائل ، ولكن ; أين من يبذر البذرة ، ويتعهّدها بالرعاية ؟
بقلم د. عادل باناعمة |